الأحد، 31 يناير 2016


خلق مصلحة (win-win) في الكونغو الأبتر



يقول شاعر أفريقيا الأول ( بانكول رينر ) في قصيدته الرائعه ( الكونغو الأبتر ) " عشرات السنين وأبناؤكِ ينزفون الدماء كي تُبنى مُدن بلجيكا ولما رفض أفريقيو الكونغو أن يجمعوا للمُستعمر المطاط الأحمر تلقوا حضارة المذابح والضرب والتقتيل.
من أرض الزعيم الروحي الكونغولي العريق قائد النضال الوطني في أفريقيا (باتريس لومومبا) ومن أكبرمدن أفريقيا جنوب الصحراء ومركز الموسيقى الأفريقية الحديثه من العاصمة الكونغولية ( كينشاسا) أكتب إليكم مقالي اليوم بعد طول غياب في ربوع أفريقيا الساحره التي ما إن تجولت بناظري في جغرافيتها المصنوعه الظالمة وتاريخها المُخيف ومستقبلها المُحير وشعبُها المُضطرب حتى أيقنت بأن أفريقيا أمام مخاض عسير تعيشهُ اليوم من أقصاها إلى أقصاها مٌبشرةً بلاشك بحياة قادمة لن تقبل إلا بأن تربح بعد قرون من الموت المتجدد.
الكونغو هي الدولة الأغني عالمياً بالموارد الطبيعية وهذا ما سبب لها ما يُعرف بلعنة الموارد الطبيعية التي كانت سبباً في الصراعات المتواصلة بين القوى الدولية على هذه الدولة ، فهي تملك إحتياطات هائلة من المعادن المُختلفة بالإضافة إلى معادن نادرة مثل (الكولتان) وتحتوي أراضيها على ثاني احتياطي عالمي من النحاس، أضف إلى ذلك إمتلاكها لـــ 50% من نسبة الغابات الأفريقية ومجموعة من الأنهارالتي يمكن أن تستخدم لإنتاج الطاقة الكهرومائية للقارة الأفريقية بأكملها وفقاً لتقريرالأمم المتحدة حول أهمية البلاد الإستراتيجية ودورها المُحتمل كقوة إقتصادية في أفريقيا الوسطى، أضف إلى ذلك إمتلاكها لحوض الكونغو(مركز الإهتمام العالمي)، فأهم ما يميز نهرالكونغو هو عدم وجود دلتا له ولديه قوة هائلة في دفع الماء إلى البحر وهذا يعني أنه أغزر من نهر النيل وهذا ما أدركته القاهره وجعلها تطرح ما يسمى بمشروع (ربط نهر الكونغو بنهر النيل) الرامي إلى التحكم بالموارد المائية وهذا المشروع من المرجح أن يحقق الإكتفاء الذاتي من الكهرباء لمصر والكونغو والسودان، وما يدعم نجاح هذا المشروع أن القانون الدولي يسمح لأي دولة فقيره مائياً أن تقوم بسحب مياه من أي دولة حدودية أو متشاطئة معها شرط موافقة تلك الدولة (الغنية بالمياه)، وفي حال جرى تنفيذ المشروع فإن فكرة إحياء مشروع نقل المياه إلى السعودية من السودان بأنابيب عبر البحر الأحمر ستكون واردة لوفرة المياه وعدم إعتراض دول الحوض الأخرى على هذا الإجراء كونه يدخل ضمن السيادة السودانية ولا يؤثر على حصص المياه لدول الحوض، ولكن أعلنت القاهره مؤخراً رفضها للمشروع لإرتفاع تكاليفه.
تحاول الكونغو اليوم تحرير إقتصادها من سياسة البنك الدولي عبر إنضمامها للمنظمات الافريقية الإقليمية والإقتصادية كما تحاول أن تستفيد من التجارة التفضيلية مع الولايات المتحدة في إطار قانون النمو والفرص الافريقي وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع التكتلات الاقتصادية الواعدة ( البريكس)، إلا أن الوضع الإقتصادي لا يزال ضعيفاً بسبب سياسات نادي باريس وسياسات التكيف الهيكلي  التي صُممت لإستمرارنهب خيرات الدول، أضف إلى ذلك أن الكونغو ما زالت تعيش في دوامة من الإستغلال والإنتهاك الغير قانوني للثروات الطبيعية بصورة تستدعي دق جرس الإنذار ، فكثير من الموارد الطبيعية يتم تهريبها من المناطق الحدودية وتصدر إلى الأسواق العالمية وإزدهر هذا الإنتهاك للثروات الطبيعية والذي يتم بصورة مخططة ومنهجية بسبب الهياكل المعدة سابقاً والتي تمت تنميتها وتطويرها أثناء حروب متمردي قوات التحالف الديموقراطي لتحرير الكونغو والذين كان يطلق عليها (AFDL ) بقيادة لوارنس كابيلا، هذا بالإضافة إلى وجود قنوات جديدة وشبكات غير قانونية شاركت فيها دول الجوار في فترات سابقه مثل روندا ، انغولا ، اوغندا ، وبوروندي ، ومن الجدير بالذكر أن دولة بوروندي والتي لا تنتج الذهب والماس والرصاص والكوبالت قامت بتصدير هذه المعادن بالتزامن مع وجود قواتها في الإجزاء الغربية لجمهورية الكونغو الديموقراطية التي كانت غارقة بقوات عسكرية من الدول المجاورة ساعدت على تأجيج الصراع والنزاعات الدموية ، أضف إلى ذلك دور الشركات الأمنية الخاصة التي تمارس نوع جديد من المهام نيابة عن الحكومات  وتقوم بأعمال ذات طابع عسكري وأمني وتقوم بمهام الجيوش النظامية مثل التدريب العسكري والاستخبارات والدعم اللوجستي والعمل الامني والقتالي في مناطق النزاعات ولقد أكد الإتحاد الدولي للتحقيق الصحفي (INTERNATIONAL CONSORTIUM OF INVESTIGATIVE JOURNALISTS) أن معظم تلك الشركات الأمنية ضالعة في تجارة عالمية لصناعة الحرب تبلغ عائداتها مئات الملايين من الدولارات وبمراجعة العقود التي أبرمتها الولايات المتحدة مع 12 شركة أمنية من أصل 24 شركة أمنية أمريكية المنشأ والمقر تبين أن هذه العقود بلغت 300 بليون دولار امريكي ، وقامت تلك الشركات بالعديد من الأنشطة في دول أفريقية عديدة مثل الكونغو الديموقراطية ، زامبيا ، سيراليون ، انجولا ، روندا ، بوروندي لحماية مواقع انتاج النفط والمعادن الطبيعية مما جعل لها نفوذاً كبيراً في افريقيا جنوب الصحراء.
الإستثمار الخليجي في الكونغو –كينشاسا
قامت مجموعة الظبي الإستثمارية الإماراتية بتنفيذ العديد من المشاريع الإستثمارية فى مجالات الإتصالات فى جمهورية الكونغو بتكلفة 318 مليون دولارمؤكدة أن قطاع الإتصالات فى أفريقيا من أكثرالقطاعات نمواً،وفي ملتقى الإستثمار السنوي المُقام في دولة الإمارات قال رئيس غرفة تجارة الكونغو أن بلاده نجحت في إستقطاب الإستثمارات الإماراتية مشيراً إلى نجاحها في مجالات الفندقية والمعارض والمجمعات التجارية في كينشاسا، كما تولت دولة الكويت من خلال (Rakomesko Group) للتجاره العامه والمقاولات مجموعة من المشاريع الزراعية وقامت بإفتتاح فرع لها في العاصمة كينشاسا لتعزيزنشاطها، وتعاونت شركة قطر للبترول التابعة لدولة قطر مع شركة توتال الفرنسيه في مشروع (نورث أويل) البالغ إنتاجه 100 ألف برميل نفطي يوميًا في جمهورية الكونغو، وتوقعت وكالة" موديز" للتصنيف الإئتماني أن ينمو اقتصاد الكونغو بنحو 10.2٪ على مدى العامين المقبلين بفضل ضخ إستثمارات أجنبية كبيرة في قطاع التعدين والإستهلاك.
معوقات الإستثمار الخليجي في الكونغو-كينشاسا
·       إرتفاع الانشطة الاقتصادية الغير قانونية والتي لاتُذكر في إحصائيات الناتج المحلي الإجمالي وهذا ما دفع الحكومة مؤخراً إلى إنشاء مناطق إقتصادية خاصة والتي ركزت على الصناعات الزراعية، والتعدينيه.
·       الإختلال الواضح بين العرض والطلب والذي تسبب في إنتشار القطاعات الإقتصادية غير الرسمية، كما أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تشكو من إطار تنظيمي غير مُلائم إضافة إلى إساءة في تطبيقه مما أسفر عن إنخفاض حاد في نشاطاتها وعدم قدرتها على المنافسة .
·       إفتقار الكونغو لشبكات طرق حديثه بسبب سوء البنية التحتية، ويُعتبر النقل البري إحدى أهم الصعوبات التي تواجهها السلطات، فالتضاريس والمناخ في حوض الكونغوهي بمثابة عوائق في إنشاء الطرق وبناء السكك الحديدية إضافة إلى المسافات الكبيرة التي يتميز بها هذا البلد الشاسع، وتعتبر وسائل النقل التقليدية المائية الأكثر شيوعاً ويستعملها أكثر من ثلثي السكان.
·       سوء إدارة الإقتصاد المتواصل والصراع الداخلي أدى إلى إنعدام الرغبة الجادة في الإستثمار على مدى سنوات عديدة.
الكونغو الديموقراطية ما زالت إلى اليوم منجم للثروات الطبيعية إلا أنها ترزح تحت وطأة حكومات تبحث وتحافظ على المصالح الغربية وخلق ما يسمى بمصلحة (win-win) المربحة لجميع الأطراف ما عدا الأطراف الوطنية وهذا ما كان يحاربه بطل تحرير أفريقيا ( باتريس لومومبا) ودفع حياته ثمناً لإجتثاثه، فقد قال رئيس الوزراء الكونغولي الأسبق وبطل تحرير أفريقيا ( باتريس لومومبا)  قبل قتله بأيام على يد (مويس تشومبي) الكونغولي المدعوم من المخابرات البلجيكيه  " إذا مُت غداً  فسيكون السبب أن رجلاً أبيض قد سلح رجلاً أسود ".

تم نشر المقال في جريدة الفجرالاماراتية على الرابط التالي : 




أمــــينـــــه الـــعريــــمي
بــاحثـــــة إمــاراتـــية فــــي الشــأن الأفـــريقـــــي

Afrogulfrelations_21@outlook.com

الأربعاء، 27 يناير 2016

أفريقيا الوسطى عندما ألبسوها ثوباً دينياً 


في ليلة من ليالي الشتاء البارده في العاصمة الأفريقية ( بريتوريا ) كان لي شرف حضور ندوة بعنوان (مستقبل أفريقيا جنوب الصحراء) وإلتقيت بالصدفة بالسيد "إداورد مالوكا" مستشار وزيرة العلاقات الدولية والتعاون في جمهورية جنوب أفريقيا الذي ما أن عرفته بنفسي وأطلعته على سبب وجودي في أفريقيا لما يقارب الثماني سنوات كباحثة خليجية في الشأن الأفريقي حتى إبتسم راضياً ومستمتعاً بحديثي فإنتهزت تلك الفرصة التي قد لا تتكرر لي مرة أخرى فسألته قائلة  " سيدي الكريم في ثلاثينيات القرن الماضي كانت المكسيك مملكة يحكمها الملك إداورد فرجاس وكانت تعج بحرب أهليه مُفجعه فتوجه مجموعة من وجهاء المملكة إلى الملك فسألوه يا جلالة الملك ما مشكلة المكسيك الأساسية ؟ فقال لهم الملك مشكلة المكسيك الأساسية هي قربها بحدودها مع الولايات المتحدة الأمريكية وبُعدها بروحها عن الله ( إنتهى حديث الملك) ، واليوم أنا أسألك يا سيد مالوكا ما مشكلة أفريقيا الأساسية ؟ فكانت إجابته " مشكلة أفريقيا الأساسية إنها لم تتخلص من الإستعمار". (إنتهى حديث السيد مالوكا).
لم أكن أدرك حينها حقيقة ما قاله لي السيد مالوكا إلا بعد زيارتي لجمهورية أفريقيا الوسطى في ربيع عام 2013 بعد هدوء نسبي خيم على العاصمة بانغي وضواحيها بعد التوترات العرقية التي راح ضحيتها أكثر من أربعمائة شخص وحرق للمساجد والكنائس، وجدت أفريقيا الوسطى قد عُريت من لبساها التقليدي الذي يتسم بالتسامح وأُلبست عمداً ثوباً دينياً لتغطية حقيقة الصراع الذي يدار فيها ، وجدت مواطن أفريقيا الوسطى بل أغلب الأفارقة خاضعون لمواطنه لم يختاروها وغير مقتنعين لقيمتها فيحصل الناس على جنسيتهم السياسية عن طريق إنتماء وراثي لم يختاروه ولم يختبروه ، ويترنح عامة الأفارقة بين بنية فوقية ( بقايا الدولة الإستعمارية) وماضي أفريقي تقليدي متداعٍ فتبعثرت ولاءاتهم بين نخب سياسية وأنساق قبلية مُنهاره بينما توجهت كثرة منهم نحو بوتقة الإنصهار بالمدن المُتسعه بحثاً عن نصيبهم الوهمي من الإستقلال.
بدأت تتبلور مشكلة الصراع في أفريقيا الوسطى عندما أراد الرئيس الأسبق ( فرانسو بوزيزي)  الوصول للسلطة وإستخدم جزء من الجنود المسلمين الذين كانوا يتعرضون لضغوط كبيره في فترة حكم الرئيس ( إنج فيليكس باسيه) وأطلق عليهم إسم ( اللبراتير) أي المحررون ، ووعدهم بتسوية أوضاعهم إلا أن الرئيس بوزيزي تنصل من تلك الوعود وعمل على التخلص منهم واحداً تلو الأخر مما جعل من تبقى منهم  يتجمعون في تحالف مناهض لحكم بوزيزي أطلق عليه إسم ( السليكا ) ، في ذلك الوقت أعلنت الشركة الفرنسية (أريفا AREVA الفرنسية / أكبر شركة نووية في العالم وثاني منتج لليورانيوم في العالم)  في افريقيا الوسطى أن البورصة العالمية لليورانيوم إنخفضت وبالتالي ستقوم باريس بتجميد العمل في مناجم اليورانيوم  حتى عام 2032 للحفاظ على الأسعار والتحكم في السوق الدولي ، مما جعل الرئيس فرانسو بوزيزي يلجأ للتعاقد مع شركات أجنبية أخرى لإستخراج اليورانيوم وهذا ما إعتبرته باريس تهديد لوجودها في مستعمرتها السابقه فما كان منها إلا دعم جماعة السليكا التي نجحت في الإنقلاب على الرئيس بوزيزي ووصلت إلى السلطة برئاسة أول رئيس مسلم لجمهورية أفريقيا الوسطى ميشيل ديوتوديا ، ولكن سرعان ما تكشف لجماعة السليكا أن باريس إستخدمتهم لدور محدد هو إسقاط بوزيزي فقط وتعمل الأن على التخلص منهم بعد قيامها بتسليح جماعة ( الأنتي بالاكا ) المسيحية ، وبدأت ألة الإعلام الفرنسية والأوروبية تعمل على تصوير مغالطة صدقها العالم مفادها أن جماعة السليكا " المُسلمه" تمارس الإرهاب والعنف ضد جماعة " الأنتي بالاكا" المسيحية ، والحقيقة أن باريس قامت بنزع أسلحة جماعة ( السليكا) والتعاون مع "الأنتي بالاكا " في إبادة المسلمين الذين أصبحوا فريسة سهلة بعد نزع أسلحتهم، كما أن جماعة "الأنتي بالاكا" تم تأسيسها قبل نشأة جماعة السليكا بوقت طويل مما يدحض الحجة الفرنسية التي كانت تروج أن "الأنتي بالاكا" نشأت للدفاع عن نفسها ضد الإرهاب ، أضف إلى ذلك أن جماعة السليكا تضم في صفوفها 30% من المسيحيين على عكس ما كان يصور أنها جماعه إسلامية خالصة ، أضف إلى ذلك أن جريدة ليموند الفرنسيه في عددها الصادر بتاريخ 10/12/2013 أكدت أنه قبل الصراع الدامي في أفريقيا الوسطى بيوم واحد أي في الرابع من ديسمبر عام2013 وصلت إلى العاصمة بانغي طائرة فرنسيه تحمل على متنها مجموعة من الصحفيين الفرنسيين والأجانب لدرجة أن الفنادق في العاصمة بانغي لم يكن لديها غرفة شاغرة بعد أن شهدت إستقبال ذاك الكم الهائل من الصحفيين والمصورين ، في دلاله واضحة على علم السلطات الفرنسية بما سيحدث في اليوم التالي، والغريب أن الصحف العالمية كانت في ذلك الوقت تخرج بإحصائيات تؤكد أن نسبة المسلمين في أفريقيا الوسطى 15%  ونسبة المسيحين 45% ونسبة الديانات الأخرى 23% كذا ولكن الحقيقة التي عرفتها في وقت لاحق ويعرفها كل مواطن في أفريقيا الوسطى منذ أمد بعيد أنه لم تجرى أي عملية إحصائية للسكان في أفريقيا الوسطى منذ أكثر من عشرين عاماً
من الأشياء التي لا أنساها في رحلتي إلى أفريقيا الوسطى إنني قصدت منطقة  على مقربة من العاصمة بانغي تسمى ( بامباري )  تم تحويل بعض قراها لشبه معسكرات للفارين من الموت ووجدت المعسكر عبارة عن غرف كبيره أسقفها خشبيه وأرضيتها ترابية ويتكدس فيها مجموعة من الأطفال والنساء والشيوخ ، وما إن دخلت عليهم حتى بدأ الأطفال يلتفون حولي بمرح ويقولون لي بلغة أفريقية خالصة "نحن نمتلك في هذا المكان حلوى كثيرة ولكن تنقصنا أحذية"، لم أستطع إجابتهم فقد لخص لي الأطفال من غير أن يقصدوا قصة أفريقيا منذ القدم .
تركتني أفريقيا الوسطى بعد أن ألبسوها رغماً عنها ثوباً دينياً حائرة خائفة منها وعليها ، وتركتها وهي في وضع إخلاءها من المسلمين وبطريقة ممنهجه ومن لم يخرج سيقتل ، وقد نشهد قريباً إنفصالاً في أفريقيا الوسطى وولادة جمهورية أفريقيا الوسطى الشمالية ( منطقة المسلمين ) وجمهورية أفريقيا الوسطى الجنوبية ( منطقة المسيحيين) ، فكل السيناريوهات مطروحة في تلك  القارة المحظوظه قدراً والمظلومة إقتداراً.

تم نشر المقال في جريدة الخليج الاماراتية على الرابط التالي:



تم نشر المقال في جريدة اخبار المدينة الصادرة في تورنتو ( كندا) على الرابط التالي:



أمــــينـــة الــعريـــــــــمي
بـــــاحثة إمــــاراتــــية فـــي الــــشأن الأفـــريــقـــي

Afrogulfrelations_21@outlook.com


الأحد، 24 يناير 2016


"أفريقيا بين الطموح التنموي والسياسات الكلاسيكية"



عندما أتحدث عن الشؤون الافريقية أُفُضل دائماً الخوض في تاريخها القديم وممالكها العريقه وثقافة شعوبها وجغرافيتها السياسية ، وأتعمد الإبتعاد عن مناقشة أسباب تراجع تلك الدول المحظوظه قدراً والمظلومة إقتداراً ، ولكني اليوم ولأول مره سأقترب من جرح أفريقيا النازف لعلي أدرك خبايا أفريقيا كما هي ومن غير تزوير.
أخطأت الدول الأفريقية عندما وضعت مستويات المعيشة الغربية كهدف تصبو إليه وتريد تحقيقه وهذا الطموح تسبب في سوء تخصيص المواد المتاحة للدول الافريقية وبالتالي لم تحقق الأهداف الطموحة ، فدفعت أغلب دول أفريقيا إما نحو الإستسلام والرضا بمجهودات محدودة في مضمار التنمية وإما أن تستمر وتضاعف طموحها و قد تنجح في حل مشاكلها واللحاق بركب الدول المتقدمة وقد تفشل فتزداد درجة تخلفها وبعدها عن الدول المتقدمة، ونتيجة لإبطاء الدول الأفريقية النامية في مجال التنمية تحملت عبء الزيادة السكانية مما تسبب في البطالة وتردي الأحوال المعيشية وإنتشار الجهل والمرض والجوع ، وما كان لأفريقيا أن تقع في هذا المأزق لو لم تتأخر في التنمية الاقتصادية وبالصورة العملية والعلمية لإستثمار ماهو متاح من إمكانات داخلية وخارجية ، إلا أن العكس يحدث فتصبح دولاً إستهلاكية وذات مديونية كبيرة وهذه أهم عقبه تعاني منها الدول الافريقية وتقف عائقاً أمام التنمية في أفريقيا ، ومشكلة المديونية هي مشكلة سياسية بإمتياز وهذا نفهمه وندرك ملامحه عندما نفهم العلاقة "  المؤسفه  " بين الدول الأفريقية والمؤسسات الإقتصادية العالمية ( البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ).
من أخطاء السياسات التنموية الافريقية هو إعتمادها على الإستدانة والتمويل لبرامج التنمية المختلفة دون مراعاة لإمكانية تسديدها ، ومن المعروف أن ألية عمل النظام المالي الدولي الذي تديره وتشرف عليه المؤسسات المالية الدولية يقود المدين إلى مزيد من الإستدانة ومن ثم الرضوخ لشروط الدائنين ، وهذا ما تم تطبيقه في أفريقيا ووقعت أفريقيا في فخ المديونية ووافقت على شروط المؤسسات المالية الدولية وقبلت سياستها المعروفه بـــ ( الإصلاح الإقتصادي )، ولابد هنا من الإشارة إلى أن مفهوم المديونية الأفريقية ليس واحداً بل تختلف دلالتها من بلد أفريقي لأخر ولابد من التمييز هنا بين المديونية الهيكلية والمديونية العائدة إلى نقص السيولة، فالمديونية الهيكلية تنطيق على الدول الافريقية ذات الموارد القليلة التي يُشكك في قدرتها على الخروج من فخ المديونية وذلك من خلال الإستمرار في نهجها التنموي السابق ، أما المديونية العائدة إلى نقص السيولة فتشمل جميع الدول ذات الموارد المتعددة وتلك المديونية ناجمة عادة عن الحروب الأهلية والإفراط في الإستهلاك الأمني ، وتنقسم المديونية الأفريقية إلى داخلية وخارجية ، فالداخلية تشمل جميع الإلتزامات المالية التي في ذمة الدولة والهيئات والمؤسسات العامة تجاه الإقتصاد الوطني ، أما المديونية الخارجية تشمل الإلتزامات المالية التي في ذمة الدولة ككل تجاه الخارج والتي تكفلها الدولة .
أما الأسباب التي ساهمت في نمو تفاقم المديونية الأفريقية أهمها : تمويل عوامل التنمية عن طريق الإستدانة من الخارج وخصوصاً إستيراد التكنولوجيات المتقدمة ، والخلل في السياسات الإستثمارية المتبعه ، وسوء إدارة الإستثمارات الممولة عن طريق القروض الخارجية فبدلاً من التركيزعلى تنمية قوى الإنتاج المحلية والتصنيع وتصدير السلع الجاهزه كما فعلت الدول المتقدمة لجأت الدول الأفريقية إلى إستيراد السلع الرأسمالية الجاهزه بأسعار عالية وتصدير المواد الخام بأسعار منخفضة وهذا النوع من التخصص الإنتاجي أبقى الدول الأفريقية في مهب الأزمات الإقتصادية الدولية ، أضف إلى ذلك فساد الأجهزة الحكومية ونمو ظاهرة الإستهلاك الترفي الذي شجع كثيراً على نهب الإقتصاديات الوطنية بما في ذلك نهب القروض الخارجية وتهريبها للخارج .
أما عن السياسة الإقتصادية لصندوق النقد الدولي ودوره في جدولة الديون الأفريقية من خلال نادي باريس فإن ما يجري إدعاؤه من تحويل صندوق النقد الدولي إلى مؤسسة ديموقراطية هو في الحقيقة طريقة لضمان أن يستمر غالبية فقراء العالم بلا كلمة مسموعه وبترتيبات غربية تسمح للدول الثرية بالحديث نيابة عن الدول الفقيرة ، وتظهر ورقة مسربة الى منظمة تدعى مشروع (بريتون ودوز) تقول تلك الورقة أن صندوق النقد الدولي ينوي أن يدمقرط على الأقل بمضاعفة الصوت الأساس وعندئذ سيكون ثمانون بلداً من البلدان الأكثر فقراً في العالم قادرة على حيازة نسبة 0,9% مقسومة بينها وحتى هذا التنازل المثير للشفقة لم يحدث إلا بعد أن أقدم الأعضاء الأفارقة على مخاطرة سياسية بأن عارضوا علناً عروض الصندوق.
صندوق النقد الدولي يضع قيوداً صارمة على قروض الدول الأفريقية النامية مثل تخفيض العملة الوطنية والحد من الإستيراد ، ورفع سعر الفائدة المحلي لتشجيع الإدخار، والحد من التضخم المالي ، وتحرير التعامل في الصرف الأجنبي وزياد الضرائب على السلع والمداخيل ، وتجميد الأجور، ورفع الرقابة على الأسعار ، والحد من الإنفاق الحكومي عن طريق إلغاء الإعانات للمستهلكين، وهذه السياسات الكلاسيكية أصبحت عنواناً تضعه المؤسسات المالية الدولية على كل طلب يقدم من أي دولة نامية أياً كانت أوضاعها الإقتصادية والسياسية والإجتماعية ، ومن الجدير بالذكر أن نصائح أو بالأصح القيود التي يفرضها صندوق النقد الدولي للدول الافريقية يؤكد أنها ستحقق زيادة في الصادرات وبالتالي زيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي وخفضاً في الواردات إلا أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً فمثلاً بالنسبة لميزان المدفوعات فأن الهدف من تخفيض العملة هو زيادة الصادرات وخفض الواردات وكلاهما غير مرن ، فالإنتاج الزراعي بطبيعته إنتاج غير مرن في المدى القصير وفي معظم الدول الأفريقية النامية هو إنتاج غير كافي لمواجهة الإستهلاك المحلي وبالتالي لن يلعب دوراً كبيراً أو صغيراً في زيادة الصادرات وإعادة التوازن لميزان المدفوعات، كما أن الإنتاج الصناعي إن وجد في الدول الأفريقية فإنه رغم ضألته نسبة إلى الإنتاج القومي فهو من حيث النوعية والتكلفة لا يستطيع المنافسة الدولية والنزول للسوق العالمي بل إنه ما كان لينمو دون حماية جمركية عالية كذلك فإن زيادة الصادرات منه تحتاج إلى واردات من المواد الخام والمعدات والمعرفة التكنولوجية وقطع الغيار وكلها أصبحت بعد خفض العملة الوطنية أكثر كلفة وأكثر ندرة في الحصول على موارد النقد الاجنبي ، أما تجميد الاجور وخفض الإعانات للمستهلكين سيضيف أعباء إضافية على أصحاب الدخل المحدود لنقص دخولهم الحقيقية ولا يخفى ما لذلك من مساوىء اقتصادية تعيق من رفاهيتهم الإجتماعية إضافة إلى المساوىء السياسية نتيجة للإضطرابات التي تعرضت لها دول أخذت بنصائح وإقتراحات صندوق النقد الدولي ، أما بالنسبة لرفع سعر الفائدة والحد من التضخم فالمنجزات الشخصية بسيطة في الدول الأفريقية فضلاً عن الإنكماش الذي يقع عبئاً على المشروعات الوطنية التي لن تواجه إرتفاع تكلفة التمويل لندرته بل ستواجه إرتفاع تكلفة المستورد من رأس المال ومعدات ومواد خام مما قد يؤدي إلى الحد من نشاطها وإلغاء خطط للتوسع في إنتاجها ، مؤدي ذلك أن الإدخار الضروري وإدخار قطاع الأعمال كلاهما يتأثر سلباً وليس بالزيادة كما يعتقد خبراء الصندوق وإن من ينتهز هذه الفرصة هنا هو رأس المال الأجنبي للشركات المتعددة الجنسيات ، فلو كانت البلاد لديها قطاع تعدين للتصدير مثلاً يصبح مشروع إستغلال الموارد التعدينية أكثر ربحاً لإنخفاض العملة الوطنية  كما تنتهز هذه الشركات وغيرها للتوسع في صادراتها داخل البلاد حيث ما تدفعه البلاد نقداً أو عيناً لوارداتها أصبح أكثر من ذي قبل، والمشكلة تزداد عند حصول رأس المال الأجنبي للبلاد والذي لا يدخل إلا بعد توفر شروط أهمها الإستقرار السياسي وتحويل الأرباح للخارج وبالتالي فالأرباح تكون لصالح المستثمر الأجنبي حيث يأخذ هو بالعملة الصعبه أما أبناء البلد فيحصلون على العملة الوطنية فإن لم يحدث تحويل لرأس المال الأجنبي إلى ملكية وطنية فإن مشكلة ميزان المدفوعات تتفاقم أكثر من أن تحل، ويجب أن نشير هنا أن أسباب الفقر في الدول الافريقية النامية ليست متماثلة وأي مشروع جديد لمواجهة مشكلة الفقر في أفريقيا لن يكتب له النجاح ما لم يدرس حالة كل دولة على حدة ثم يتصدى للفقر ضمن مشروع إقليمي جماعي لمواجهة هذه الظاهرة ، فلقد إرتبطت مشاكل عدم الإستقرار في أفريقيا بمشاريع التقشف التي فرضها البنك الدولي على الحكومات المعنية بالمديونية والتي شملت رفع الدعم الحكومي على السلع الغذائية وغيرها.
تطالب اليوم العديد من الدول الأفريقية بإعادة هيكلة الديون وهي مطالب البنك الدولي للتنمية وينبغي أن لا تكون مطلباً للشعوب لأن هذه الهيكلة ستؤدي إلى إستمرار هيمنة المؤسسات المالية الدولية على الإقتصاديات المحلية وسيكون الإستقلال والتنمية في أفريقيا مرهوناً في يد الدول الغربية وستضخ مبالغ طائلة في خزينة الدول الغربية كان من الممكن إستثمارها في قضايا التنمية المحلية .
فشلت جميع النماذج الإقتصادية التي تم تطبيقها في أفريقيا لتحقيق أهدافها ، فالسياسات التنموية التي إنتهجتها النظم السياسية الأفريقية أفسحت المجال أمام سياسات التكيف الهيكلي والكثير من الدول التي طبقت برامج التكيف عانت من الكساد الإقتصادي وتكريس وضعية التخلف وعدم الإستقرار السياسي والصراع الإجتماعي ، وإنتقدت سياسات التكيف الهيكلي في أفريقيا بشكل حاد بسبب أنها إذا كانت تهدف لإقامة نظام إقتصادي يعتمد على السوق الحر وهو ما يتضمن تقليص دور الدولة فإن ذلك لا يتلاءم مع الواقع الأفريقي فعملية الإنتقال نحو الحرية الإقتصادية بمفهومها الرأسمالي يتطلب وجود دولة قوية وجهاز بيروقراطي كفء ونظام مصرفي فعال وهذا لا يتوافر في افريقيا .
على الرغم من إضفاء الطابع الفني والتقني على سياسات التكيف الهيكلي وتصويرها بأنها تخلو من أية مصالح وأهداف أيديلوجية فإنه لا يخفى على أحد أن المؤسسات المالية الدولية تسعى وبجهد دؤوب لتدعيم وتعزيز نظام رأسمالي عالمي حتى لو كان بغير مضمون حقيقي، فسياسات التكيف الهيكلي أضرت إضراراً بالغاً بالتنمية البشرية في افريقيا ولم تأخذ بعين الإعتبار الأبعاد الإجتماعية والإنسانية للتكيف .

تم نشر المقال في جريدة الفجر الإماراتية على الرابط التالي:



أمـــــينة الـــعريــــمي
باحــــــثة إمـــاراتــــية فــي الشــأن الأفريــــــقي
Afrogulfrelations_21@outlook.com

الاثنين، 18 يناير 2016


"كيــــارش" الإيـــرانـــي فــــي كــينـــيا


حكي لي صديق أفريقي ذات يوم أسطوره إيرانية مفادها أن الملك ( كيقباد) كان له إبنان هما كيكاوس وكيارش إختلفا بعد وفاة والداهما على الحكم فوافق (كيكاوس) أن يعطي أخيه الأصغر جزءاً من إيران ولتحديد مساحة تلك المملكة طلب (كيارش) من أخيه أن يرمي بسهم من أعلى التلة وتكون المساحة التي يعبرها الرمح مملكته، فوافق (كيكاوس) إلا أن أخيه لجأ إلى حيلة ، فصنع سهمه من الزئبق والذهب الخالص وإنتظر حتى غابت الشمس فرماه فإنجذب السهم نحو الشمس وعبر أراضي أذربيجان بأكملها فأصبح (كيارش) ملكاً على إيران ومن حولها رغماً عن أخيه، تلك الإسطوره كانت التعبير المنطقي لسياسة الجمهورية الإيرانية في أفريقيا .
إتجهت إيران إلى كينيا بإعتبارها بوابة شرق أفريقيا ومن أهم الدول المرشحة لقيادة شرق أفريقيا في السنوات القليلة القادمة، كما يوجد على أراضيها فرع لرابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية الإيرانية (ICRO) والتي تنظم أسبوعًا للصداقة الإيرانية الكينية، ونظراً لأهمية البحر في سياسة الجمهورية الإيرانية والتي تؤكد أن الماء يمكنه أن يصون أسرار أولئك الذين يأتون طالبين الملاذ، ورغبة إيران في كسر العزلة الإقتصادية التي كانت قد فرضها عليها المجتمع الدولي قبل الإتفاق الأخير، وإظهار نفسها كقوة منافسة، ومحاولتها السيطرة على ممرات بحرية وبرية لكسب أوراق ضغط جديدة في جنوب الخليج العربي تم إنشاء أهم الخطوط البحرية في شرق أفريقيا ( خط ممباسا- بندر عباس) وكشفت (فاينانشال البريطانية) أن هناك سفناً إيرانية تتحرك من ميناء بندر عباس مُتجهة لليمن وشرق إفريقيا إلا إنها ما أن تصل لمنتصف البحر حتى تقوم بتغيير طاقمها وإغلاق أجهزة الستلايت وتختفي في عرض البحر ثم تظهر فجأة في ميناء ( بندر عباس) وتعاود الظهور في ميناء الحديدة اليمني و ميناء ممباسا الكيني.
وتعزز التعاون بين نيروبي وطهران بتوقيع الطرفان مذكرة تفاهم حول التعاون الإقتصادي والعلمي والفني لزيادة الواردات والإستثمارات الإيرانية في كينيا ، وبعد إكتشاف إحتياطيات النفط والغاز أكدت نيروبي أن قطاع الطاقة المتنامي سيفتح الباب لمزيد من الإستثمارات والإستفادة من الخبرات الإيرانية في هذا المجال، كما دعت نيروبي الحكومة الإيرانية والقطاع الخاص لإستكشاف فرص الإستثمار في إطار خطة كينية متوسطة الأجل.
ولدعم تواجدها في شرق أفريقيا بدأ النشاط الإيراني في مدينة لامو الساحلية التي تعتبر من أهم الموانىء في شرق القارة لأفريقية وأُطلق عليها مؤخراً بــــ ( موقع التراث العالمي في اليونسكو) يأخذ منحاً أخر، فأنشئت طهران مسجداً تحول فيما بعد إلى قبلة لأتباع المذهب الأثنى عشري ، كما شهدت مدن كينية أخرى مثل مدينة ( ماتندوني) و(قارسين) (مالندي) و (ممباسا) دعماً إيرانياً دينياً وثقافياً تمثل في مراكز علمية ومدارس ومستوصفات صحية ومكتبات عامة أعطت طهران صفة الدولة التي ترغب بتطبيق العدالة والخير في المجتمعات المهمشة ، وتستند إيران لتعزيز نفوذها في أفريقيا على مُضاعفة البعثات الدبلوماسية في القارة البكر وتأسيس المشاريع التجارية، ومن الجدير بالذكر أن جريدة الإيكونوميست البريطانية ذكرت أن كينيا من أهم الدول الأفريقية التي نجحت طهران في تقوية نفوذها الإقتصادي والدبلوماسي فيها بعد جنوب أفريقيا .
نجحت طهران في تعويض تهميشها بالتنسيق مع دول الساحة الأفريقية، وبعد التوقيع على الإتفاق النووي تضاعف إصرارالجمهورية الإيرانية على نقل معركتها إلى اليمن والبحر الأحمر، مما يؤكد أن التوجهات الإيرانية الإقتصادية ستكون عامل ثابت، وستوسع إيران نفوذها في أفريقيا وستجد الدول الأفريقية مُبرراً لتطويرعلاقتها مع إيران بعد أن تم وضع حد للعراقيل التي كانت تقيد طهران في أفريقيا في ظل غياب مشروع أو رؤية خليجية عربية إستراتيجية واضحة.

أما الولايات المتحدة فأدركت أهمية ( كينيا) في الإستراتيجبة الأمريكية فأعلنت مبادرة (الطاقة لأفريقيا) التي تهدف إلى إضافة أكثر من 10 آلاف ميغاواط من قدرة توليد الكهرباء النظيفة وشملت تلك المبادرة أكبر مشاريع توليد طاقة الرياح في أفريقيا ( أبولوس كينيا)، وهذا ما يفسر موافقة الكونغرس الأمريكي بتاريخ 30-6-2015 بتمديد قانون النمو والفرص في أفريقيا (أغوا) لمدة عشر سنوات وهو ما يعزز الشراكة الإقتصادية الأفريقية الأمريكية حتى عام 2025 ، وهذا أيضاً ما يوفر الضمانات اللازمة للإستثمارات الأمريكية طويلة الأجل، أما الصين فقد بدأت بتطبيق إستراتيجيتها في كينيا المسماه بـــ ( سلسلة من اللؤلؤ) هدفها تحويل مدينة لامو الكينية الساحلية إلى أكبر ميناء في شرق أفريقيا تمهيداً لربطه بالموانىء الصينية .
يمكن لدول الخليج العربي الإستثمار في العلاقات الكينية الخليجية التي تتسم بالإيجابية ، خاصة أن هناك أكثر من مائتان وإثنان وأربعون شركة كينية تعمل في دولة الإمارات هذا بالإضافة إلى وجود إستثمارات خليجية كينية في معظم دول الخليج العربي، أضف إلى ذلك يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي الإستفادة من منطقة التبادل الحر ثلاثية الأطراف التي أُعلن عنها في يونيو 2015 بعد إندماج الكوميسا مع التكتلات الإقتصادية الأفريقية (الساداك وشرق أفريقيا) وذلك بالإنضمام إلى مثل تلك التكتلات الاقتصادية بما تقتضيه مصلحتها خاصة بعد حصول معظم دول الخليج العربي على عضوية مراقب في الإتحاد الأفريقي، كما يمكن التعاون مع الجانب الكيني في مجال المياه ، فنيروبي تُصنف من الدول التي تعاني من شح المياة بسبب تقلبات الطقس الذي تسبب في الجفاف ، والمياه من أكثر مجالات البنية التحتية الأفريقية بحاجة للإستثمار ولكنها لم تجد إهتمام خليجي عربي كافٍ لأن معظم التمويل مصدره مجالات التنمية وبالتالي يمكن تعزيز دور الشركات الخليجية المُستثمرة في قطاع المياه مثل شركة (ماثيتو)  وتعزيز التعاون بين الشركات الخليجية العاملة في أفريقيا مثل (شركة ويل الإماراتية) و (أبوظبي لطاقة المستقبل – مصدر) و (صندوق أبوظبي للتنمية) وشركة موانىء دبي العالمية، و شركة زين الكويتية وأجيليتي الكويتية التي تمارس نشاطها في إحدى عشر دولة أفريقية في قطاع الموانىء، وشركة أكو باورالسعودية للطاقة.
من المرجح أن تلعب صناديق الثروات السيادية الخليجية دور أكبر في أفريقيا خاصة أن الأفاق الإقتصادية في شرق أفريقيا عامة وكينيا خاصة أصبحت أكثر إيجابية بسبب التوسعات في مجال السياحة والإتصالات والنقل والذي كانت نتيجته إرتفاع نمو الناتج المحلي إلى أكثر من 5% لعام 2014-2015 مما يشجع على تطوير "إستراتيجية خليجية خاصة" لتعزيز العلاقات السياسيه والإقتصاديه بين دول مجلس التعاون الخليجي والدول الإفريقية يتم فيها تحديد المهام والإختصاصات ودور القطاعين الحكومي والخاص في تلك الإستراتيجية.
أتطلع أن تحرص دول مجلس التعاون الخليجي على حضور وفد خليجي يمثلها في "مؤتمر المواطن الإفريقي" الذي يُركز على خلق فرص العمل والمشاريع في إفريقيا نظراً لأنها شاركت  في دورات مبادرة "The Climate South"، التي تهدف إلى تحديد دور دول الجنوب العالمي في التصدي لتغير المناخ وصياغة حلول قابلة للتنفيذ، خاصة أن تلك الدورات تسبق مؤتمر COP21 الذي أُقيم بباريس في ديسمبر 2015 .
أختم مقالي بموقف جمعني بمواطن أفريقي صادفته في العاصمة الراوندية كيغالي وبعد حديث طويل تجاذبته معه عن ضرورة تعزيز العلاقات الخليجية الأفريقية خاصة مع دول جنوب الصحراء، فكانت إجابته لي بالحرف " إن الخليجيين لا ينظرون إلي أفريقيا واحده بل ينظرون إلى أفريقيات عدة وبناءاً عليها يتحركون ولكن هل يتحركون في المكان الصحيح؟" .



تم نشر المقال في جريدة الخليج الإماراتية على الرابط التالي :

  تم نشر المقال تحت عنوان ( خط ممباسا بندر عباس ) في صحيفة الحصيلة الكويتيه على الرابط التالي :


أمينــــــــة الـــعريـــمـي
باحثــــــة إمـــاراتــــية فــي الـــشأن الأفـــريــــقي
Afrogulfrelations_21@outlook.com





الاثنين، 11 يناير 2016



الســــــودان " أرض إلتـــــقاء الحيــــــاة"

اليوم سأغادر" مؤقتا" منصة التحليل السياسي في الشأن الأفريقي، وأتشرف بالوقوف لأحدثكم عن منصة العلم وقلب المعرفه ومنبع العزة، أرض الكرامة، أرض إلتقاء الحياة كما أسميتُها، أرض الإمام محمد المهدي مؤسس الدولة السودانية المستقله، وأرض الشهيد عثمان دقنه الذي عندما زاره الإمبراطور جورج الخامس ملك بريطانيا في زنزانته إنشغل عنه بالصلاة حتى لا يتحدث معه، أرض المُفكرين والعلماء، أرض بُناة نهضة الشعوب، أرض الوجوه الطيبه والنفوس الطاهره، أرض المحبة والسلام رغماً عن أعدائها ، " الســـــــــودان".

تضاربت الأقوال حول أصل إسم السودان، فالقدماء المصريون كانوا يطلقون عليها إسم ( تانهسو) وتعني أرض السُمر، أما ( خع سخموي) خامس وأخر فرعون في الأسرة المصرية القديمة فكان يطلق على السودان إسم (takene) وهي كلمة تعني في اللغة المصرية القديمة " أرض الأقواس"، كما أطلق على المنطقة الواقعه جنوب مصر إسم ( نحسيو /nehesyou) وأشتق منها لفظ "بانحس أو فنحاس" بمعنى النوبي، كما تسمت السودان بأسماء قبائل كانت تسكن تلك المنطقة مثل (كالواوات/uaouat) و (يام /yam) و (مجا/medja)، و(كاو/kaou)، أما العرب  فأطلقوا على السودانيين إسم (رماة الحدق) بعد هزيمة جيشهم بقيادة (عبدالله بن أبي السرح) الذي غزا السودان فتصدى له جنود النوبه الذين عُرف عنهم قوتهم وبراعتهم في تصويب الرماح نحو حدقة العين مباشرة، بالإضافة إلى أن بعض المصادر تقول أن العرب أطلقوا على السودان أيضاً إسم (الكنز) لتدل على مضمونها العربي بمعنى المال والذهب لترادف ثروة المنطقة.

توجهت بي طائرة طيران الإتحاد إلى العاصمة السودانية الخرطوم لأول مره في حياتي في شتاء عام 2009، كانت الرحلة هادئة والطائرة شبه فارغة من الركاب ولم يكن معي في تلك الرحلة ما يؤنس وحدتي ويطوي عني مشقة السفر إلا كتاب لمستُ في عنوانه شيء من الإثارة والتشويق أقنعني بإنه سيؤدي دوره في كسر رتابة الرحلة وكان حدسي في محله فكان لي نعم المؤنس، وما إن أنهيت قراءتي حتى جاءني صوت المُضيفة من خلفي تطلب مني ربط حزام الأمان إستعداداً للهبوط إلى مطار الخرطوم الدولي، وما إن فتحت النافذه الواقعه على يساري وبدأتُ أحدق من الجو في عاصمة المهدي وسرحت بفكري الذي خيل لي حينها بوجود وحوشٌ ضارية تفترس كل من يقترب منها، إنتابني في تلك اللحظة شعور المتولي يوم الزحف ولكن هيهات أن يغادر أرض المعركة، هبطت الطائرة بسلام إلى مطار الخرطوم وغادرت مقعدي مُتثاقلة ومتوترة بعض الشيء وودتُ لو أعود أدراجي، وما إن وصلتُ لصالة الوصول حتى كان في إستقبالي مندوب سفارة دولة الإمارات في الخرطوم الذي ما إن عرفني بنفسه حتى هديت من روعي، وفي صباح اليوم التالي تم الإنتهاء من إجراءاتي الرسمية إستعداداً للإلتحاق بقلعة العلم جامعة النيلين، وما إن مضى شهران على وجودي في السودان حتى بدأت أتعرف على أهله وعلى ملامح ذلك البلد فكانت نقطة التحول الحقيقية في حياتي ولم أعد بعدها كما كنتُ أبداً.
وجدت أرض المقرن أجمل بكثير مما كانت تصوره بعض أجهزة الإعلام العالمية على عكس ذلك، وجدت السودان صارماً حازماً تارة ورقيقاً دافئاً تارة أخرى، وجدته أشبه برجل صادق يمتلك كل صفات الرجولة الحقيقية ولكنه لا يُصرح بها ليقينه أن الرجوله تتحدث بأفعالها لا بأقوالها فوقعتُ أنا في أسره، وجدت أرض رماة الحدق أصدق وأعمق وأكبر مما يمكن أن أخطه اليوم في سطور مقال، وجدتُ أهل السودان يُسابقون الزمن للحصول على المعرفة ويتحدون كافة الظروف للوصول إلى النجاح، وجدتهم شعب لا يقبل المساس والجدل في تاريخ بلادهم وهويتها وتُراثها الغني عن التعريف ولا يلتفتون لمن يريد لهم التقهقر، وجدتهم أنقياء كرماء تجمعهم الصلاة لرب العباد ويخشون أن تفرقهم السياسة .
من السودان تعلمت ومن علمائها نهلت ومن مفكريها أدركتُ قيمة العلم، ودائماً وأبداً أذكر نفسي ومن حولي وفي كل مناسبة أنه لولا السودان ولولا الأساتذه السودانيين الأجلاء ما كنت لأكون ، وأسمحوا لي أن أذكرهم بالإسم فهؤلاء هم القاعدة الثابته التي أرتكز عليها للأبد :
البرفيسور الفاضل / حسن الساعوري، البروفيسور الفاضل / محمود الداني، الدكتور الفاضل / مصعب عبد القادر، الدكتور الفاضل / مرتضى الطاهر، الدكتور الفاضل/ الطاهر الفادني ، الدكتور الفاضل / بهاء الدين مكاوي، الدكتور الفاضل / أسامة زين العابدين، الدكتور الفاضل / محمد مجذوب، الدكتورة الفاضلة / رحاب عبد الحي.
يتداخل تاريخ السودان القديم مع تاريخ مصر الفرعونية ، فالمؤرخ اليوناني (ديودورس الصقلي) كتب في موسوعته (Bibliotheca historica ) التي تعود إلى عام 60-57  قبل الميلاد أن الإنسان إستوطن في السودان منذ خمسة الأف سنة، وعرفت أرض السودان العديد من الممالك مثل الممالك النوبية ( مملكة كوش) التي تم تعريفها في اليونسكو بأنها قوة عظمى بين القرنين الرابع والثامن قبل الميلاد، والتي كانت موطناً لثلاثة ممالك، مملكة كرمة ومملكة نبته ، وأخرها مملكة مروي، التي إشتهرت بالتعدين وتشييد الأهرامات وهي التي أرست نظم الإدارة في القرن السادس قبل الميلاد، وبعد إندثار تلك الحضارة قامت الممالك المسيحية في القرن السادس الميلادي، مثل مملكة ( المقره /makuria) وعاصمتها دنقلا، وعرف عنها قوة بأسها فقد نجحت في صد الجيوش العربية وأجبرتهم على توقيع معاهدة (بقط) لضمان التعايش السلمي ونجحت في الإحتفاظ بتراثها الإنساني السوداني لما يقارب الألف عام والتي ما زالت موجودة في المتاحف السودانية، ومملكة (علوة /allodia) وعاصمتها سوبا، ومملكة (نبته/ Napata) وعاصمتها فرس، والتي تأسست على يد الملك النوبي كاشتا ، وكاشتا يعنى الكوشي منسوباً إلى مملكة كوش، ومن الجدير بالذكر أن المسيحية دخلت السودان في عهد الإمبراطور الروماني (جستنيان الأول) الذي تزوج من ممثلة الأفلام الصامته وغازلة الصوف (ثيودورا) التي نجحت في إقناع زوجها بمواجهة المتمردين في ثورة نيكا عام 532 ميلادي، وقالت كلمتها المأثورة " في وقت الحرب لا يوجد هناك وقت لمناقشة مسألة هل على المرأه أن تسكت إذا ما تحدث الرجال أم لا،و ليس من اللائق على من أصبح إمبراطوراً أن يسمى بعد ذلك هارباً، والأن إن شئت أن تنجو بنفسك فليس ذلك صعبا ولا شيء يمنعك فالمال وفير والبحر وسيع والسفن كثيره على الشاطئ أما أنا فإنى سأتمسك بالقول القديم أن العباءة الإمبراطورية خير الأكفان"، وكانت تلك الكلمات المدوية التي وقعت على سمع الإمبراطور (جستيان) كفيلة بأن تسلحه ليربح معركته فكان له النصر.

بعد ضعف الممالك المسيحية وتراجع نفوذها تدفقت الهجرات العربية الإسلامية على أرض السودان وقامت ممالك وسلطنات إسلامية مثل، مملكة المسبعات في كردفان، ومملكة الفونج أو السلطنة الزرقاء، وسلطنة الفور في غرب السودان، ومملكة تقلي في جبال النوبة، بعدها خضعت السودان لما يعرف بفترة الحكم التركي فقامت ثورة شعبية بقيادة محمد المهدي ونجحت في تحرير السودان 1885 وأقامت دولة المهدية التي تم إسقاطها عام 1898 في معركة كرري، وبعدها خضع السودان للإستعمار حتى أعلن إستقلاله في الأول من يناير عام 1956.

تأرجحت السودان منذ إستقلالها بين صراعات سياسية قبلية إقتصادية  أذكتها التدخلات الخارجية بدءاً بمشكلة الجنوب وليس إنتهاءاً بدارفور، والتي أفضت إلى تعرض الخرطوم لعقوبات دولية أفقدتها القدرة على الإستمرار في التنمية مما جعل السودان يعيش في حلقة من عدم الإستقرار السياسي والإقتصادي .

بما أن دول الخليج العربي وجمهورية السودان إتفقا مؤخراً على التعاون ونبذ الخلافات الجانبية وتقديراً لموقف السودان من عاصفة الحزم وإلتزامها بالوقوف بجانب دول مجلس التعاون الخليجي فيمكن لدول الخليج العربي أن تدعم الإقتصاد السوداني وذلك بعمل الأتي :

·       التقريب بين السودان ومحيطه العربي والإستفادة من الأهمية الجيوسياسية للسودان.

·       دعم عمل شركة موانىء دبي العالمية للإستثمار في الموانىء السودانية.

·       تفعيل وإبراز دور مؤسسات التفاعل الخليجي الأفريقي مثل منظمة المؤتمر الإسلامي بإعتبارها أحد أهم منظمات التنسيق الخليجي الأفريقي، والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية العاملة على الساحة الافريقية،

·       تطوير "إستراتيجية خليجية خاصة" لتعزيز العلاقات السياسيه والإقتصاديه بين دول الخليج وجمهورية السودان، يتم فيها تحديد المهام والإختصاصات ودور القطاعين الحكومي والخاص في تلك الإستراتيجية.

·       لابد لدول الخليج العربي من الحرص على حضور وفد خليجي يمثلها في "مؤتمر المواطن الإفريقي" الذي يُركز على خلق فرص العمل والمشاريع في إفريقيا خاصة أن دول الخليج العربي معظمها أعضاء بصفة مراقب في الإتحاد الأفريقي.

·       بعد إندماج الكوميسا مع التكتلات الاقتصادية الأفريقية ( الساداك وشرق أفريقيا) وإعلان منطقة التبادل الحر ثلاثية الأطراف في يونيو 2015 يمكن لدول الخليج آن تنضم إلى مثل تلك التكتلات الاقتصادية بما تقتضيه مصلحة الطرافين خاصة بعد حصول بعض دول الخليج على عضوية مراقب في الاتحاد الأفريقي . 
وأخيراً،، أشكر القدر لإعطائي تلك الفرصة التي أعدت فيها إكتشاف نفسي، ولا يسعني في هذه اللحظة إلا أن أشكر كل لحظة جمعتني بالسودان وأهله وبمعدنهم الثمين، شكراً للسودان حكومة وشعباً ، شكراً لهم جميعاً.

 تم نشر المقال في جريدة الفجر الاماراتية على الرابط التالي :
تم نشر المقال في موقع الراكوبة السودانية على الرابط التالي :

 http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-221570.htm

أمــــينة الـــعريـــمـي
باحـــــثة إماراتــــية فــي الــشأن الأفـــريقـي
Afrogulfrelations_21@outlook.com

الخميس، 7 يناير 2016


أفريقيا كما ينبغي أن نراها " رؤية خليجية"


يقول بريمان/ الشاعر الكاريبي عن أفريقيا في قصيدته المشهورة You Better Believe it مخاطباً فيها أوروبا الإستعمارية " لقد صهرتُ الحديد في بلاد النوبه يوم كنتم أمماً تشق الأرض بالمحاريث الخشبيه، وسبكتُ النحاس في بنين يوم كانت لندن مستنقعات، وأصبحت تمبوكتوملاذاً للعلماء في زمان كان الرهابنه يرتجفون من البرد في أروقة اكسفورد".
تعددت الروايات حول أصل كلمة أفريقيا ، فهناك من يقول أن معناها "الكهف" في إشارة إلى أن الأفارقة كانوا يسكنون الكهوف،وهناك من يقول أن الإسم يعود إلى ملك من ملوك التبابعة القدماء "إفريقيس إبن المنار"،أما المصريين القدامى فأفريقيا عندهم تعني أرض الميلاد، في حين يرى اليهود أن أفريقيا تعود إلى "لافير" أحد أحفاد إبراهيم في العهد القديم كما تقول التوراه، أما اليونانيين فيقولون أن أفريقيا تعني" أرض البرودة والرعب".
تعتبرأفريقيا أقدم المناطق المأهوله بالسكان على وجه الأرض، فلم يقطنها أية أمة مستقرة وإنما سكنتها مجموعة من الصيادين يطلق عليهم "الخويسان" إحدى السلالات الأفريقية القديمة للإنسان الحديث وأكد علماء علم الإنسان إن تلك السلاله متمايزة جينياً مع جميع الأفارقة لأنها لم تختلط مع أي إثنية أفريقية منذ ما يزيد عن 150عاماً، والخويسان هو إصطلاح يطلقه علماء الأنثروبولوجيا على تجمع قبيلتي الخوي (هوتنيتوت) والسان (بوشمن) فإشتق الإسم من الخوي والسان ليصبح"الخويسان"، فبعد إنتهاء العصر الجليدي عاد الأفارقة إلى المرتفعات الداخلية بعد أن تحولت الصحراء إلى ربوع خضراء إلا أن المناخ الجاف الذي ساد عموم أفريقيا منذ 5000 سنه قبل الميلاد دفع الأفارقة إلى وادي النيل وقاموا بتأسيس ممالك عظيمة مثل الممالك النوبية والمرويه والفرعونية، وبسبب توجه الأفارقة إلى تربية الماشية وإستئناس العديد من الحيوانات إزدهرت الزراعه من بلاد النوبة إلى شمال القارة، ولكن تقلصت تلك الممالك بسبب جفاف المناخ وهاجر الأفارقة إلى مناطق أكثر إستوائية في غرب أفريقيا ،بعدها تغيرت أفريقيا بسبب إنتشار أعمال الحداده التي وصلت إلى جنوب وشمال القارة وأصبح تصنيع الأواني النحاسية أمراً شائعاً في عموم القارة ،مما يؤكد قوة شبكة التجارة التي كانت سائدة بين مختلف المجتمعات الأفريقية.
تاريخياً كانت أفريقيا قبل الإتصال بأوروبا خليطاً من جماعات وممالك أخذه في التطور والنمو وكانت هناك حركة للتاريخ ولم يكن التخلف الذي ألم بها بسبب الظروف الطبيعية أو من النماذج التاريخية الثقافية والديناميات الداخلية، ولكن كان للإتصال الأوروبي أثره في إنقطاع حركة التطور الإجتماعي وعدم النضج الطبقي الذي هو أساس حركة التطور في أي مجتمع، فالتكوينات الطبقية هي أساس القدرة على بناء هياكل سياسية متطورة وعادة ما تكون طبيعة النشاط الإقتصادي هي المسؤولة عن ذلك النضج الطبقي، ومع تأثير الإتصال الأوروبي السلبي على هذه الأبعاد نشأت حالة التخلف التي نراها في القارة الأفريقية اليوم، كما أن درجة التطور والتنمية التي كانت في أفريقيا قبل الإستعمار لم تُستخدم في بلورة الهياكل السياسية والإقتصادية لفائدة أبناء افريقيا وحسب بل كان لها تأثير في تنمية المجتمعات الغربية، وبذات القدر الذي أسهمت به أفريقيا في تطور وتنمية الغرب كان للأخير دوره في تخلف أفريقيا، وكانت أول خطوات الأوروبيين هي جعل الأفارقة لا يستطيعون التخلي عن السلع الأوروبية والتي كان يتم إستبدالها بأكثر المعادن ثمناً، وبعد أن تم إكتشاف العالم الجديد ومزارع قصب السكر بدأت الحاجة للأيدي العاملة وبدأت تجارة الرقيق التي كان لها أثار تدميرية على أفريقيا، ونجح الغرب في إيجاد الإنقسامات التي تضمن له إستمرارية تجارة الرق بل ونشأ الرق الداخلي لصالح الفئة التي كانت تخدم مصالح الإستعمار، ونجح الغرب بعد ذلك في إبتكار الوسائل والسياسات التي يحافظ من خلالها على أفريقيا في موقع التابع بعدما نجح في أن يجعل من الإستقلال الذي حصلت عليه الدول الأفريقية إستقلالاً شكلياً، بل وما زال هناك 14 بلدًا إفريقيّا يضع 85% من إحتياطاته الأجنبية في البنك المركزي الفرنسي كضريبة لفوائد الإستعمار، ويُسمح لتلك الدول بالوصول إلى 15% فقط وإذا إحتاجت تلك البلدان لمبالغ إضافية فعليهم إقتراضها من الـ 65% من أموالهم الخاصة في الخزانة الفرنسية وبأسعار تجارية، أما واشنطن فلم تكن أفريقيا تمثل مصلحة إستراتيجية لها قبل عام 1990، ولكن بعد بروز القوى الإسلامية في القرن الأفريقي وإرتباطها بقوى إسلامية خارجيه تم طرح ما يسمى بالقرن الأفريقي الكبير، وتأسيس المجلس الإستشاري الأفريقي،وإنشاء أفريكوم، تلا ذلك إصدار (African Oil Policy Initiative Group) كتاباً أبيض ينص على ضرورة إستبدال النفط الخليجي بالنفط الأفريقي خاصة بعد صدور تقاريرإقتصادية أمريكية تؤكد أنه بحلول عام 2020 ستحصد الولايات المتحدة ربع نفطها من أفريقيا ،أضف الى ذلك أن النفط الأفريقي له ميزات يتفوق بها على النفط الخليجي مثل، إنخفاض نسبة الكبريت مما يقلل عملية التكرير، وقرب السواحل الأفريقية من الساحل الشرقي للولايات المتحدة وهذا ما أعطى النفط الأفريقي ميزة القرب الجغرافي التي ينافس بها النفط الخليجي، كما أن الدول الأفريقية متمايزة عرقياً وثقافياً لا يضمها رابط ثقافي تاريخي مشترك مما يعيق تبنيها مستقبلاً لسياسة نفطية موحدة تجاه واشنطن والغرب، ومن هنا يمكن أن نفهم حرص واشنطن على تمديد قانون النمو والفرص في أفريقيا لمدة عشر سنوات مما سيوفر الضمانات اللازمة للإستثمارات الأمريكية طويلة الأجل، أما الصين فأسست ما يسمى بمنتدى التعاون الصيني الأفريقي- فوكاك- وبلغت قيمة الإستثمارات الصينية في أفريقيا 26 مليار دولار أمريكي، تدعمها الشركة النفطية الصينية العابره والحاملة لتفويض سياسي قوي (Petro China ) ما جعلها قاعدة جذبت إهتمام الدول الغنية بالنفط في أفريقيا.

أفريقيا كما ينبغي أن نراها " رؤية خليجية "
بما أن دول الخليج العربي تهدف إلى تهيئة إقتصادها لمزيد من التنافسية والإنفتاح من خلال تقوية بنيتها الأساسية وتطويرها لتلبية متطلبات النمو داخلها وإستيعاب حجم التحولات الجارية في الإقتصاد العالمي والإنتقال التدريجي للثقل الإقتصادي من الغرب إلى الشرق، فيمكن الإستفادة من الساحه الأفريقية، فنظراً لحاجة أفريقيا لنحو 93 مليار دولار سنوياً لتلبية إحتياجات البنية التحتية للقارة الأفريقية حتى عام 2020 فإن قطاع البنية التحتية أهم القطاعات التي يمكن التعاون فيها بين مجتمعي الأعمال الخليجي والأفريقي خاصة أن دول الخليج تتمتع بخبرة واسعة في مجال التنمية الإقتصادية وتطوير البنية التحتية، ومن جانب أخر، تظل أفريقيا هي القارة الأهم في مجال الإنتاج الزراعي والغذائي، حيث يمثل قطاع الزراعة أحد أهم القطاعات التي يمكن لدول الخليج النظر إليها لمعالجة مسألة الأمن الغذائي، كما يمكن إستثمارالموقع الجغرافي الخليجي كجسر بين أفريقيا والصين وذلك يتطلب تفعيل الهياكل المؤسسية وإقناع الشركات الإقتصادية الأفريقية بالتخطيط لإنشاء مراكز لها في دول الخليج حيث ستجد الكثيرمن المزايا الإيجابية من ناحية التكلفة بما في ذلك عدم وجود ضريبة على الشركات والدخل والطاقة الرخيصة، ومن المُفيد للشركات الخليجية أن تنظر إلى الخصائص الإستثمارية في الأسواق الأفريقية كل على حدة بدل من النظر إليها على أنها سوق واحدة ومتجانسة.

وأخيراً، لا أتمنى أن يكون مصير العلاقات الخليجيه الأفريقية مصير أجنحة إيكاريوس فكما تقول الميثولوجيا الأغريقية أن إيكاريوس فتى منحه والده ديدالوس جناحاً من الشمع ليطير به إلى الشمس فذاب الشمع بلفحة الشمس وهوى إيكاريوس إلى اليم وأختفى إلى الأبد.

تم نشر المقال في جريدة الخليج الاماراتية على الرابط التالي :

http://cutt.us/pHJ3


تم نشر المقال في جريدة الحصيلة الكويتيه على الرابط التالي :



أمــــــينة الـــــعريــــمي

بـــاحثة إمــــاراتــــية فـــي الـــشأن الأفـــريـــقي

Afrogulfrelations_21@outlook.com